انتقدوا العبارات التي وجهتها الصحافة لمواطناتهم
سعوديون يرفضون الطعن في أخلاق ووطنية مشجعات "الأخضر"

أنصار المنتخب السعودي زحفوا الى ابوظبي لتحميس منتخبهم
أبوظبي - محمود عبدالغني صباغ
وقف محمد اسلام على رأس بوابة الحافلة الخاصّة، المتوّجهة الى أبوظبي، من دبي، للحاق بمباراة المنتخب السعودي والقطري، مبدياً صرامة وجدّية وحضور ذهني كي لا يفوّت عدّ أي راكب أو راكبة ممن سيستقل الحافلة. فعدد المجموعة التي ستساند "الأخضر" سيتجاوز الخمسين مشجعاً هذه المرة، بعد أن كان لا يصل بالكاد الى الثلاثين في المباراة الأولى. "لقد استأجرنا باصاً خاصاً هذه المرّة، الكل مستعدّ لتشجيع المنتخب" قالها محمد اسلام، الطالب في الصف الأخير في الجامعة الامريكية في دبي، الذي كان متوشّحاً بالعلم الوطني، وتبدو على وجهه ملامح الحماس ممزوجة بأصباغ الوجه الخضراء.
لم يستطيع اسلام اخفاء شعور الرضا والحماسة الذي كشفته ملامحه، فهو وآخرون نجحوا في تنظيم رحلة خاصة لمساندة الفريق الوطني. يقول محمد صباغ، وهو مهندس سعودي شاب في سلطة موانئ دبي، وخريج أمريكية دبي، وأحد المنظمين للرحلة "هذه الجامعات المنفتحة لم تمدنا بالمعرفة والمناهج العلمية فحسب. انها ربّتنا على قيم التعاون والاعتداد بالذات والقدرة على التنظيم.. وحصّنت كل منا بالثقة تجاه الآخر أياً كان، فلا فرق بين فتاة وشاب في تعاملنا ونظراتنا لبعضنا ".
ومنذ الساعة الثانية ونصف ظهراً، تقاطرت عربات الطلاب والطالبات الخاصة الى مواقف الجامعة الامريكية على شارع الشيخ زايد، حيث موقع انطلاق الحافلة. أغلب العربات حملت اللوحات السعودية، وزينّت نوافذها بالأعلام السعودية. واذا كان جميع الحشد تربطه روابط زمالة، فان كثير تربطه روابط معرفة عائلية أو قرابة وعمومة أو حتى رابطة زواج - كأحد الشباب السعوديين الذي حضر مع زوجته، حيث كلاهما يدرس في الجامعة الأمريكية. "الأمر عفوي" - كما يؤكد المشجع محمود بدر، "أغلب أبناء وبنات العوائل المتواجدين تربط عائلاتهم رابطة من قربي أو معرفة مسبقة.. ناهيك عن رابطة الزمالة القائمة على الاحترام والأخوّة ".
داخل الحافلة، تفرّق الجميع على المقاعد الخمسين، وبينما كانت الحافلة تمخر عباب الطريق الرئيسي نحو أبو ظبي، انصرف الجميع في التقاط صوّر الذكرى، والاستعداد للمباراة بدهن الأصباغ الخضراء على الوجوه، وفرد الأعلام، وترديد الدانات واللالات والأغاني القديمة والجديدة على وقع الدفوف وطرقعات الأيدي.
"هذا شعور لا يتكرر دائما " تقول تهاني المدلج، طالبة في أمريكية دبي. "جميعنا هنا من أجل الوطن بغض النظر عن خلفياتنا الثقافية أو المناطقية". ويبدو نايف علّوي، مؤيدا في ذلك، اذ يقول: "الأخضر يجمعنا - سواء كنّا من جدة أو الرياض أو الخبر". والحقيقة لم يكن ذلك تعليقاً عرضياَ. فبينما كان صوت راشد الفارس يتسرب من سماعات الحافلة، "نجدية" - كان أهل جدة يصرخون ترحيباً، وحين كان يردف الفارس "حجازية"، كان أهل الرياض يردون التحية بأحسن منها.
قضية خاسرة
داخل الحافلة امتزجت الأماني والدوافع والنوايا، وان استقرّت كلها في منطقة المباح. يقول عمرو كعكي، طالب في أمريكية دبي، "ارتداء القميص الأخضر، والتوشح بالأعلام والألوان الخضراء من الجميع، أمر لا يتكرر في كل يوم.. انه شعور بالانتماء ومدعاة للفخر لا يوصف". لدى كعكي - "نحن نجتمع طبيعياً على كل حال، للترفيه عن النفس، فكيف الحال والدافع تشجيع فريق البلد". وبينما دافع الرحلة لكعكي قضاء وقت طيب ومشاهدة الأخضر، هو غيره لدى آخرين. تقول الطالبة أمينة التميمي في أمريكية دبي، "الأمر مرتبط باظهار فعاليتنا كمواطنيين ومواطنات ازاء مايخصنا.. لابد أن نظهر ايجابية الفرد السعودي تجاه فعالياته". وفيما تتحدث التميمي بهدوء، لاتستطيع سارة عبدالغني، الطالبة في أمريكية دبي اخفاء سعادتها الفارطة - " هذه أول مرة أذهب الى استاد رياضي، لابد أن الشعور عظيم".
حين وصلت الحافلة الضخمة الى استاد آل نهيان بنادي الوحدة، كانت دانيا الشافعي، المذيعة في الام بي سي، وطالبة الماجستير في أمريكية دبي، على رأس المستقبلين مع فريق عمل القناة الفضائية، وما أن وُزعت التذاكر، حتى انطلق الجميع الى الداخل لشغل مواقعه في أعلى المدرّج رقم 2. كان الجميع متوّشحاً بالأخضر، منشغلاً بالتشجيع والتصفيق بالبالونات البلاستيكية التي وزعتها شركة الاتصالات السعودية، وحملت لون العلم السعودي.
قبل المباراة، كان الجميع يشعر بالخوف مما قد تحمله مجرياتها. كان الكل منشغلاً في الأحاديث الجانبية التي كان أغلبها يدور حول حساب حظوظ المنتخب في التأهل، وأفضل أوراقه ولاعبيه. ومع دخول المنتخب، وقف الجميع، من شباب وفتيات، لتلاوة النشيد الوطني، حاملين الأعلام الوطنية ومرددين نشيد "سارعي" بأعلى صوت. كان الجميع يقف في زهو واعتداد. حتى ابتسام تايلور، وهي طالبة سعودية مستجدة في أمريكية دبي، من أب بريطاني وأم سعودية، ومن مواليد ونشأة مدينة جدة، قفزت من الفرح حين لقطتها كاميرا التلفزيون وهي تردد النشيد السعودي، في نهايته، وشاهدها الملايين في الشاشات الفضيّة. "اني فخورة جدا بالانتماء الى بلدي السعودية" - قالتها بلهجة حجازية سليمة.
فيما كان الأمر لمنسوبي الجامعات السعوديين في دبي والشارقة ليس سوى رحلة مجّدولة لأداء واجب مساندة المنتخب الوطني، حرص جميعهم على اثبات وجوده فيها والمشاركة بها. كانت هي لدى معلقي قنوات الاثارة، وأطراف صحافية بائسة، أزمة وطنية الى حد القول بوجود مؤامرة.
"هذه قضية خاسرة، لأنها ليست على أسس" - يقول المشجع خالد الدغيثر، طالب في أمريكية دبي، "في رأيي أن كل تعليق سخيف انما يفصح عن خلفية قائله الثقافية وتكوينه الفكري المأزوم". ويبدو فيصل الثروة، وهو خريح مستجد من أمريكية دبي، أكثر حدّة وهو يعلّق على مقال كتبه أحد الصحافيين السعوديين المشهود لهم بالتعصب وافشاء التوتر واثارة النعرات، "الكل صار ينظّر عن الفضيلة في ليلة وضحاها. وكأن الفضيلة مظهر لا جوهر. المضحك المبكي أن الصحافي اياه يستميت في أطروحته لاقناع الجميع بمعلومات مختلقة وعارية من الصحة، وهو يعوّل في ذلك على مصادر خاصة كما يدّعي، يصم فيها الجميع في مجانية بالتفلت الأخلاقي، ويمنح الفتيات جنسيات غير سعودية كيفما اتفق". وفي هذا يقول فيصل السيّد، الذي كان من ضمن الحضور وحضر خصيصاً من جدة للحاق بالمبارة مع أصدقائه في أمريكية دبي - "نحن المقصودين بالانفلات الأخلاقي، نعلم تمام العلم بنوايانا وأخلاقنا،وبجنسيات وانتماءات ونوايا زميلاتنا - ولولا التدخل في الخصوصيات لزودت صحيفته بأسماء الحاضرات الرباعية، ليتأكد من أصلانيتهن ".
مادة دسمة للاعلام
لقد تحول وجود الفتيّات العفوي، الى مادة دسمة لوسائل الاعلام. فبينما قام البعض باستعراضها بمهنيّة، قامت وسائل آخرى بتوظيفها لأسباب تجارية أو لافتعال قضية، ومن ثم كسب مواقف على حساب كرامة وأخلاق الحاضرين والحاضرات. تقول نهى زينل علي رضا، طالبة في أمريكية دبي، "كنا ندرك أن الكاميرات ستلتقطنا، وكنا نعّول كثيراً على عفويتنا وبساطتنا وانسجامنا مع قناعاتنا، ولكننا لم نتوقع أن يتم اتهامنا في عرضنا وأخلاقنا، بل وتسلب منا حقوقنا بالمواطنة السعودية!"، وتردف بعدم اكتراثها كثيراً لمثل هذه الآراء فهي مقتنعة بأن لا شئ بامكانه زحزحة حقيقة سلامتهن التربوية والأخلاقية، أو أحقيتهن في الانتماء للوطن. وتقول سارة السليمان، طالبة في أمريكية دبي واحدى الحاضرات، "هذا أمر مزعج، أن تجد نفسك فجأة متّهم في عرضك وكرامتك، دون أدنى تمحيص، وكأن الفضيلة طقوس ومظاهر، أو كأن المواطنة تمنح حسب المقاس".
أما بسمة جمجوم، طالبة في أمريكية دبي، فتؤكد، الى أنهن كفتيات التزمن بحدود الأدب واللياقة: "نحن كنا نشجع في عفوية مثلنا مثل مشجعات المنتخب العراقي أو الكويتي أو البحريني. كما أننا لم نخترق أي من قوانين البلد المنظم، ولا أفصحنا عن أي انفلات أخلاقي.. لابد أن يعرف الجميع بأننا كنا في الملعب نمثل بلدنا وأنفسنا على السواء".
يقول مهند قطّان، طالب في أمريكية دبي، "لقد اجتمعنا لمقصد نبيل ووطني.. على كل حال، نحن لنا شرف المساندة الوطنية، أما الطاعنين في الاخلاق فسنترك لهم همّ مراقبة الناس".
أحد الحضور من المجموعة ناشد المعترضين أخذ الموضوع ببساطة أكثر، حيث علّق -مفضلاً اخفاء اسمه-، "ان وجود فتيات في المدرج - وهن اخوات لنا على كل حال - مدعاة للانضباط.. لم أستطيع ممارسة هوايتي في توزيع الشتائم الحارقة على اللاعبين والمدرب والتحكيم كما أفعل في ملعب جدة. كنت في كل مرة أهمّ فيها بالانفعال، أتدارك نفسي، وأبلع الشتيمة - وعلى المعترضين على ما فعلنا الانتباه الى هذا".
أما نادين طرابلسي، طالبة في أمريكية الشارقة، فتعقّب على المعترضين بجدّية أكثر.. "يبدو أن المستفحلين ساءهم أن يروا أن المرأة السعودية تشارك الرجل السعودي في مسألة كانت قاصرة على جنسه في السابق. نحن كمواطنات لسنا درجة ثانية في الحقوق والواجبات".. " يعني إيه؟" - قالتها في لهجة جداوية ساخرة - "حلال على الأولاد، حرام على البنات؟".