منتديات غلاتي  

العودة   منتديات غلاتي > الاقسام الثقافية والأدبية > يُحكى أن > قصص متنوعة


 
 عدد الضغطات  : 760  
 عدد الضغطات  : 229  
 عدد الضغطات  : 377  
 عدد الضغطات  : 148

إضافة رد
 
LinkBack أدوات الموضوع انواع عرض الموضوع
قديم 08 - 05 - 2008, 12:47 AM   #21 (permalink)
المراقب العام
 
الصورة الرمزية ابن المملكة
 



افتراضي

شقيقها أحمد ظل يزودها بكل ما دار في الانترنت حول الحادثة وتداعياتها . مكثت هي أسابيع ، تتابع الإنترنت بنفسها ، وَتَطّلع على ما يحضره أحمد لها .

لم تجد شيئاً لشهاب الإسلام . نفد صبرها ، فسألت عنه أحمد ، الذي كان يتوقع سؤالاً مثل هذا .. قال :

- تابعت كل ما كتب .. لم أجد شيئاً لشهاب الإسلام ، ولم يرد على البريد الالكتروني ، الذي أرسلته إليه بهذا الخصوص .

أحمد كتم عن عائشة ، كلاماً سمعه عن شهاب الإسلام .. وهي ظلت تترقب . بعد أيام ، بعض زميلاتها اللائي يعرفن اهتمامها بما يكتب شهاب الإسلام

سَرّبن لها كلاماً منسوباً إليه ، في أحد مواقع الانترنت .. مفاده : " موقفها جيد ، لكن ما الذي يجيز لها أن تبقى في غرفة العمليات ، مع رجال أجانب ، يتكشّفون عورات المسلمين ..؟ ! " .

سكتت ولم تعلق ، وحاولت أن تستبعد صدور هذا الكلام منه . صار الموضوع هماً ، لم تطق الصبر عليه ، فصارحت أحمد بما نقل إليها . لم يشأ أن يؤكد لها الموضوع ، الذي تواتر عنده من أكثر من مصدر .

خشي أن يسبب لها صدمة . قال :

- سمعتُ مثلك هذا الكلام .. لكني لست متأكداً من أنه فعْلاً قاله ..!

هزت رأسها ، وهي تنصرف لغرفتها .. وتغالب ، لتبدو تعابير وجهها طبيعية . لم يكن ردّه مقنعاً .. ولم تعلق . لكنها .. شعرت بجرس يُقْرع في قلبها .

للحزن ، والرحيل ، والفقد .. طعم واحد ، وأصواتٌ متعددة . قَرَأَتْ مرّة .. أن الريح تعوي في الأطلال الخربة .

حين ضمت ساعديها إلى صدرها ، وتلمست أضلاعها ، تحسست صوتاً ، كأنّ صخبه في أذنيها.. تساءلت : أهذا صوت عواء الريح في قلبي ..؟

على مشارف عامها السادس والعشرين .. تلتفت ، ثمة إنجازات كبيرة ، على أكثر من صعيد . الذين حولها يقولون : ما زلت صغيرة .. المستقبل أمامك ، لديك الكثير لتحقّقينه .

اليوم .. حين أحست بذلك الدويّ في صدرها ، أدركت أن لا شيء في قلبها تحقق ، منذ أول خاطر ، تسلل عبره شهاب الإسلام إليه : أطلال .. وريـــح تعوي .

نحن لا نقيس انــــــــجازاتنا .. فقط ، بما حققناه .. لندهش الآخرين ، فيصفقوا لنا . للقلوب مساحة من زمن ، تزهر فيها .. قــصيرة ، إن لم يأتِ ربيعها بــ( وسمي ) ، فليس إلا عطش الدهر .. وحزن الأبد .

المستقبل بدا موحشاً وعدماً ، وحديث القلب : شُختِ .. ليس ثمة وقت لأحلام ..!

كانت جالسة على طرف سريرها . أرهقها الهم ، فلم تخلع حتى معطف المستشفى الأبيض . الأفكار كانت قد أخذتها بعيداً ، حين دقت نغمة جوالها ، معلنة استلام رسالة .

سحبت الجوال من جيب معطفها ، ووضعته على منضدة الزينة . ترددت في فتح الرسالة .

سئمت من كثرة الرسائل ، التي وصلتها ، حول قضية الدكتور ومساعده ، إما استفساراً عن الموضوع ، أو إشادة بموقفها .

حين بدلت ملابسها ، ألح عليها فضول غير عادي ، بأن تفتح الرسالة التي وصلتها قبل قليل . التقطت الجــــــــوال واستلقت على سريرها ، فتحت الرسالة ..

لم تكن من النوع الذي اعتــــــادت استلامه مؤخراً : " لكم باقة ورد ، لــــــــدى محل ( الفصول الأربعة ) للورود . نرجو الاتصال ، لإعطاء مندوبنا وصفاً لعنوانكم . رقم الطلب 5/5/24 " .

اعتدلت في جلستها . غمامة فرح ، بدأت تتشكل على محياها . قسماتها غدت أكثر إشراقاً ، وابتسامة صارت تنمو في ثغرها . شعور بالبهجة ، تحسه يجتاحها ، ويكاد يرفعها عن الأرض .. كأنها على بساط ريح .

همست لنفسها : " شيء رائع ، أن يأتيك ورد بعد أن أصبحت المشاهد كلها .. بلون رمادي ، ولم يعد لإيقاع الحياة طعم .. أو لون " .

تحب الورد ، ولا تتفق مع الرأي الرافض له ، على أساس من موقف ديني . ليس في تهادي الورد تقليداً لكافر .

سمعت هذا الرأي من أكثر من عالم موثوق . تحتفظ بذاكرتها بموقف جميل عن الورد ، ترويه إحدى زميلاتها . تحدثت الزميلة عن زوجها الذي غاضبها مرة ..

فندم . ثم اختلس .. في ذات الوقت ، فرصة انشغالها ، بأمر ما ، وأشترى لها وردة ، أرفقها ببطاقة كتب فيها : " أفتقد الذوق أحياناً " . كان للوردة ، والعبارة ، والموقف .. فعل السحر ، تقول الزميلة .

الورد مظهر من مظاهر الجمال .. أو هو أبهى مظاهر الجمال .. و " الله جميل يحب الجمال " . لكنها .. تكره المغالاة والتباهي ، في إهداء الورد ، مثل ذلك الذي تراه يحدث في المستشفى .. بين النساء خصوصاً .

تذكر أنها دخلت على إحدى المريضات ، فوجدت حول سريرها ورداً ، قيمته لا تقل عن عشرة ألاف ريال . عرفت السبب .

كل صاحبة باقة ورد ، تبرز اسمها بشكل واضح على باقتها ، فتأتي أخرى تزايد عليها ، فتهدي أغلى منها .. وتجعل اسمها بارزاً .. وهكذا ..!

المريضة لاحظت اندهاشها من العدد الكبير من باقات وآنية الورد .. فقالت مزهوة : " أنا سعيدة .. الورد جميل " . فاجأها ردّها : " ألا ترين أنه يصبح قبيحاً ، عندما يتحول إلى مباهاة وتبذير " .

اتصلت بمحل الورد ، وأعطتهم وصفاً لعنوان البيت . بانتظار وصول الهدية ، أخذت تستعرض في ذهنها من قد يكون المرسل . اليوم الخميس ، لا تتذكر مناسبة توافق هذا التاريخ .

رجحت أن تكون إحدى صديقاتها .. في الكلية أو المستشفى ، أو ربما أحدٌ من عائلتها ، مهتم بها ، وهي لا تعلم .. أو قد يكون شخصاً قدر موقفها ، في موضوع عورات المرضى النائمين .

وصل مندوب الفصول الأربعة ، واستلمت الباقة . كانت جميلة جداً ، فتلهفت لمعرفة المرسل . التقطت البطاقة المرفقة ، التي كانت كبيرة ، خلاف البطاقات ، التي ترفق عادة مع باقات الورود .. وشرعت تقرأ :

" سيدتي الجميلة ، أنت لا تعرفينني ، ولستِ بحاجة لأن تعرفينني . جئتُ مرّة .. قبل عام إلى الطوارئ ، ومعي طفلتي المريضة ، وهي في حال يرثى لها ، من المرض وعدم النظافة .

كان اهتمامك بها ، ورعايتك لها ، ولمستك الحانية ، ومتابعتك لحالتها ، شيء لا يفعله .. إلا إنسان يمارس فعله عن إيمان .

ثم كان خطابك المطَمْئِن ، اللطيف ، المؤدب لنا .. الــــذي غمرنا بشعور من الأمان والسكينة .

أعتقد أن وجود مثلك ، ليس في هذه الأماكن فقط ، بل في حياة الناس ، ضرورة كونية ، لكي لا يختل ميزان القيم ، وليكون للحياة معنى .. كذلك .

لقد سألت عنك وقتها ، وأُخْبِرتُ باسمك ، وعلمت أنك طبيبة تحت التدريب ، ولم تتخرجي . بقيت أسأل عن موعد تخرجك ، فعلمت أنه يوم السبت

فأردت أن تكون لي مشاركة بالفرحة ، بإنجاز إنسان رائع خَـلاّق مثلك .

حين أردت أن أشاركك فرحتك ، فكرت بروحك الجميلة ، التي لا يهمها ما يلمع وما يبرق . أعلم أنه يستهويك ما يستهوي النساء ، لكن قيمتك لدي .. لا أستطيع أن أصل إليها .

ليس لأن حالتي المادية لا تسمح ، بل لأني أؤمن .. وأحلف بالله العظيم ، أنك أسمى من جواهر الأرض كلها .
أؤمن بأن إنساناً ، بمثل أدبك ، وأخلاقك ، وجمال روحك ..

لابد أن يكون هو نفسه مصدراً للجمال ، ومُستَقْبِلاً للجمال . أؤمن أيضاً ، أن الورد ، من حيث هو ، تعبير عن قيمة جمالية سامية ، ورمز لأسمى معاني التواصل الإنساني ..

يمثل مشتركاً ثقافياً إنسانياً . أما أعلى درجات إيماني ، فهي أن كينونتك ، أصدق معنى للحضور الإنساني ، وحضورك الفاعل في حياتنا .. أبهى صورة للجمال ، لذلك أهديتك ورداً ..

ســـــــــــــــــلامي ، ومودتـــــــــــــي .. ودعــــــــــــــــــــــائي " .

محمد ..

كانت الدموع تترقرق من عينيها ، وهي توالي قراءة البطاقة .. تنتقل من كلمة لأخرى ، لتعود لقراءة الجملة مرّة ثانية .

لا تدري .. هل تفرح للورد ، أو للّغة العذبة السامقة ، أم للّفتة الجميلة .. بالاحتفاء بتخرجها ، من إنسان غريب . هي نفسها ، رغم أهمية المناسبة لها ، لم يرتقِ اهتمامها بها ، إلى هذا المستوى .

لا تدري هل هو بسبب خيبات القلب ، أو لأن الحدث ، بعد سنوات الدراسة الطويلة ، صار تحصِيلُ حَاصِل . في الأشهر الأخيرة

صارت تمر بحالات هبوط نفسي ، تحس بها.. تؤزّمها ، وتغمسها في مستنقع يأس ، ثم تهوي بروحها إلى أعماق .

لولا زحمة العمل ، التي أصبحت تتعمد أن تغرق نفسها في بحرها .. لتهرب من واقعها ، لاختنقت في جُبِّ أزمتها .
تتأمل الورد وتتلمسه ، ثم تعـــــــود تقرأ البطاقة .

أحست بـروحها تصعد . تغادر رويداً .. رويداً ، حضيض بؤس ، هوت في أعماقه ، وحين وصلت إلى الكلمة الأخيرة ، شعرت كأنها على رأس قمة ..

حولها فضاء مفتوح .. ومدى لا نهائي . تنـــهدت بعــــمق : " كم هو مبهج ، وباعث على الأمل ، أن تمتد لك يد غريبة ..

لم تنتظرها ، لتنتشلك من قاع ، لم يدرك من حولك ، كم صار لك ، تتردّ!ى في قراره " .

يتوغل الألم في داخـــلنا بقسوة ، حين يَنْفُضْ الذين نحبهم أيديهم منّا ، وينفَضّون عنا .. يتركوننا ، نغوص في لجة أحزاننا .

نواجه عناءنا ، بقلوب أفرغها الفقد ، من أي رجاء .. ونزعت منها ، رياح الوحدة والوحشة .. كل الأشرعة .

عابرون كثيرون في حياتنا .. بذات الجمال ، والثراء الروحي ، ويملكون فيضاً من المشاعر والأحــــاسيس ، لا ندرجهم ضمن ( قائمتنا ) المهمة ..

لأننا وضعنا لها معايير ، لا علاقة لها بالقيم الخَلاّقة للفرد .. من حيث هو إنسان ، يمكن أن يضيف لحياتنا الحقيقية شيئاً .


البقية قريباً

التوقيع:
ابن المملكة غير متصل   رد مع اقتباس
قديم 08 - 05 - 2008, 01:17 PM   #22 (permalink)
عضوة مميزة
 
الصورة الرمزية حسيبة
 

مزاجي:


افتراضي

كم هو مبهج ، وباعث على الأمل ، أن تمتد لك يد غريبة ..

لم تنتظرها ، لتنتشلك من قاع ، لم يدرك من حولك ، كم صار لك ، تتردّ!ى في قراره " .

جميلة جدا العبارة
انا في انتظار البقية بكل شوق

التوقيع: لا تحزن فرزقك مقسوم وقدرك محسوم وأحوال الدنيا لا تستحق الهموم
حسيبة غير متصل   رد مع اقتباس
قديم 08 - 05 - 2008, 06:40 PM   #23 (permalink)
مشرفة قسم القصص و الروايات
 

مزاجي:


افتراضي

إبن المملكه


لكما قرأت فصول القصة وتعمقت كلما تأكدت بأنك أحسنت الاختيار..


فجمال القصة يظهر بشكل اكبر في كل جزء...



يعطيك العافيه ..


يلا عجل تراك شوقتنا كهعدك دائما معنا



بنت الجواسم

بـــ e ـنـa ـــ u ــت غير متصل   رد مع اقتباس
قديم 09 - 05 - 2008, 02:33 AM   #24 (permalink)
المراقب العام
 
الصورة الرمزية ابن المملكة
 



افتراضي

كم من مثل صاحب الرسالة ، افتقدوا فقط .. آلية التواصل معنا ، ليسكبوا مثل هذا الفيض في أرواحنا . لم يكن .. لأنهم يحتاجــــون أن ( نحــسن ) إليهم ، لنستحثهم على فعل ذلك ، فتنثال مشاعرهم نحونا .

بل لأننا .. خلقنا ( حدوداً ) ، تحدد جغرافيتنا ، ووضعنا نقطة عبور واحدة .. نحونا ، لأفراد منتخبين ، وفق معايير ، لا علاقة لها بما تحتاجه أرواحنا ، ويحتاجه الإنسان فينا .

نخسر كثيراً ، مشاعر دفاقة بهذا الحجم .. نحتاجها ، من أناس بسطاء . لأن فرصتهم لكي يبــوحوا بها ، لا تَتَأتّى إلا مرّة واحدة .. لحظة نشرع أبواب قلوبنا لهم .

إن لم نفعل ذلـــــك في ساعة ( صفر ) ، يفرضها قدر لقائنا بهم ، على ناصية لحظة من زمن حياتنا .. فلن يحــــدث ذلك مطلقاً .

سيبتلعهم إيقاع الحياة ، الذي يسرق أعـمارهم ، في ساعات لهــاث خلف لقمة عيش .. فـــلا يعودوا ، وتخوننا معاييرنا ، التي لم تمنحهم الفرصة .. فتقصيهم ونخسر .

وضعت الورد في مستطيل زجاجي ملأته بالماء ، بعد أن استلّت منه وردة جوري ، وضعتها على وسادتها . ألصقت البطاقة بطريقة أنيقة ، في الزاوية العليا اليسرى لمرآة منضدة الزينة .

في هذه الأثناء قرع باب غرفتها .. كان صوت أمها تستأذن . أسرعت وفتحت الباب ، وبهجة طافحة على وجهها .. بادرتها والدتها :

- منوّره .. أكيد هناك أخبار سارة . لم أرك من أمس يا عيوّ ... يا عائشة ، اشتقت لك ..!

انتبهت أنها كانت ستناديها يا عيوش ، وهو الاسم الذي كانت تدللها به ، منذ كانت صغيرة .. وإلى وقت قريب . قالت مُداعبة :

- لأنك لم تعودي تدلليني ..! حتى عيوش صرت تستكثرينه علي .

- لا والله .. لكـــــني أحس إنك صرت كبيرة ، وقلت يمكن أن يحرجك تصغيري لك .. خاصة وأنه بقي يومين وتصيرين دكتورة ..

قالتها وهي تبتسم . ضمتها عائشة وهي تقول :

- ما فيه أحلى من عيوش على لسانك .

انتبهت لإناء الورد ، ولوردة الجوري على وسادتها فقالت :

- عندك هدية ثمينة من النوع الذي تحبينه ، خسارة .. فيه أحد سبقني في تكريمك ..!

لم تعلق .. لكن والدتها لاحظت البطاقة الملصقة بعناية على المرآة ، فاقتربت وقرأت مقتطفات منها .. وتوقفت عند التوقيع ، الذي لم يعطها أي دلالة على صاحبه .

التفتت إليها ، وفي عينيها علامة استفهام . ابتسمت عائشة ، وعرفت ما يدور في خلدها .. فقالت :

- هذه شهادة تخرجي الأولى ، وقعها ( إنسان ) لا أعرفه .. لكنه منحني وثيقة عبور ، لأكتشف كينونتي ، وقيمتي الحقيقية .. وأهداني ورداً .

الجامعة .. يا أمي ستقدم لي يوم السبت ، وثيقة تخرجي الرسمية ، بوصفي طبيبة مجازة ، وستمنحني ورقة ، تسميها مرتبة شرف

سأضيفهما لمجموعة الأوراق التي كدستها في خزانتي . هذا هو الفرق يا أمي .

ابتسمت ابتسامة خفيفة ، وهزت رأسها ، ثم ثَبّتت نظراتها على وردة الجوري ، الملقاة على الوسادة البيضاء ، المطعمة بتشجيرات صغيرة من الأحمر والأخضر ..

تحاول أن تبحث عن علاقة ما ، بين مكانها على الوسادة ، وبين البطاقة المعلقة على المرآة بأناقة . علقت عائشة :

- آه .. وردة الجوري ..! انتزعتها من الباقة ، ووضعتها على الوسادة . كنت أستعد للنوم ، وأردت أن أحلم أحلاماً وردية .. مزيج من البياض الذي ملأتني به الرسالة ، ولون الوردة .

- الله يجعل أحلامك كلها وردية يا عيوش . غداؤك جاهز .. سأضعه في الثلاجة ، وإذا قمت سخنيه .. يا عيوني .

خرجت وسحبت الباب خلفها بهدوء .. وفي الوقت الذي كان صوتها ، يتناهى إلى داخل الغرفة ، طالبة من إخوانها الصغار عدم إزعاجها ، لتخلد إلى النوم

كانت عائشة تضع رأسها على الوسادة ، ووردة الجوري تتمدد أمام عينيها ، على طرف الوسادة البيضاء المشجرة ، مثل حورية بحر

استلقت بضجر ، على شاطيء رملي أبيض، تناثرت فوقه الأصداف، وأعشاب البحر .. بانتظار ( فارس ) ، أخلف موعده .

يوم السبت كان استثنائياً لدى أم أحمد . ما أن خرجت عائشة في الصباح ، إلى المستشفى ، حتى حولت البيت إلى ورشة عمل . عند العودة من المدارس .. كل فرد من العائلة أوكلت إليه مهمة :

- ستعود عائشة اليوم مبكرة من المستشفى .. لتستعد للذهاب إلى حفل التخرج الليلة . كل شيء يجب أن يكون قد انتهى قبل رجوعها .

كانت قد وضعت برنامجاً لحفلة مصغرة .. بين المغرب والعشاء ، قبل أن تذهب إلى الحفل في الجامعة . تقتصر الحفلة على الدائرة القريبة من الأقارب ، الأعمام والعمات والأخوال والخالات .. وبناتهم الكبيرات .

بعد ساعات من العمل ، تحول البيت إلى لوحة جميلة من الزخرفة والزينات . صُفّت الهدايا بطريقة بديعة في الصالة الرئيسة .

في غرفة الطعام ، تم تنظيم المائدة بذوق فنان . تقتضي الخطة أن يتم استقبال عائشة ، حين عودتها من العمل عند باب البيت

ثم يتم عصب عينيها ، واقتيادها إلى غرفتها ، حتى لا ترى أياً من مظاهر الاحتفال ، ولا تخرج إلا حين يصل الضيوف بعد صلاة المغرب .

سارت الاستعدادات وفق الخطة المرسومة . بهجة عائشة لا توصف ، حين خرجت من غرفتها . أدهشها مستوى التنظيم ، وجمال مظاهر الاحتفاء .

الحفاوة البالغة من أقاربها الرجال ، ضخ فيها روحاً غير عادية . عبارة عمها ، الذي يكبر والدها .. حملتها إلى سماوات :

- عائشة .. دعوت الله ألاّ أموت ، حتى أشهد هذه المناسبة .

مفاجأتها بكلام عمّها جاءت بسبب الإشاعات التي رُوّجت ، أنه كان ممن سعوا لدفع أقاربها للضغط على والدها ، لمنعها من دخول كلية الطب .

كان في خاطرها شيء عليه ، فأسعدها أن تسمع هذا الكلام منه .. خاصة وأنه اشتهر في الأسرة بورعه وتقواه .

أخذت رأسه وقبلته بشدة ، وصارت تلثم يمينه وشماله ، وتقول :

- هذا الكلام .. أغلى وسام ..

شكرت الجميع على حضورهم ودعمهم .. ثم قالت :

- ما كنت لأكـــــون شيئاً .. لولا هــــــذا الرجــــــــل .. إن كــانت عــــــــائشة أصبحت ( شيئاً ) .. فهو من جعلها كذلك ، وحال دون أن تكون رقماً ، ضمن ألاف الإناث .

ثم أشارت إلى والدها ، الذي امتلأت عيناه بالدموع .

كانت على وشك أن تنصرف إلى والدتها والمدعوات في الداخل .. حين تذكرت وصية والدتها لها ، بأن تشكر أعمامها وأخوالها على هداياهم .. فاستدركت :

- حضوركم أهلي .. واحتفاؤكم بتخرج ابنتكم أعظم هدية ، وهداياكم القيّمة ، يعجز العرفان بالجميل .. مهما بلغ ، أن يَفِيكم حقكم ، بما تكــلفتم به .

حفل النساء كان مهرجاناً آخر من الحفاوة والفرح . احتفى بها الجميع ، وعبّروا عن فخرهم بها . روت لها البنات ، كيف كُنّ يتداولن أخبار تفوقها

ومواقفها داخل الكلية ، بكثير من الاعتزاز .. بين زميلاتهن وصديقاتهن ، ويفتخرن بقرابتها لهن . هي بدورها عبّرت عن امتنانها وشكرها ، وكررت كثيراً

شعورها العميق بالحب والعرفان للجميع ، وخصت والدتها بثناء خاص :

- لولا أمي ما كنت طبيبة .. والله لولاها ما كنت سأصبح طبيبة . ألمها هو الذي خلق الفكرة الأولى في عقلي ، وحبها ، ورعايتها ، وتشجيعها ، هو ما جعلني أصمد أمام طوفان الخذلان والتثبيط .

ذكرت كيف أنها في بعض الأحيان تأتي من الكلية تبكي ، من موقف مرّ بها ، أو ظلم وقع عليها .. فتأخذها في أحضانها ، حتى تسكن وتهدأ .

- من يملك حضناً يلوذ به ، وصدراً يسكن إليه ، ألا يستطيع أن يقاوم أعتى الأعاصير ..؟ بلى .. يقاوم والله .

يحمر وجه والدتها خجلاً ، وتتمتم : " عائشة تبالغ " . فتضمها إليها ، وتقول .. مؤكدة للحضور أثرها عليها :

- يا بعد عمر عيّوش أنتِ ، والله ثم والله ، ما أنسى نظرتها ، مع نافذة غرفتها ، إذا خرجت الصباح للكلية .. كأنما ترسل نظراتها معي ، تحفني وترعاني

ولا وقفتها عند الباب ، إذا رجعت بعد العصر .. وابتسامتها تدعوني لأحضانها ، وهي تردد : " عقبال ما أفرح بك يا دكتورة " .

خالتها هَيَا ، أم عبد السلام الياسر ، ( شهاب الإسلام ) ، التي كانت حاضره .. عقبت على كلامها :

- تستاهلين يا عائشة . ما تلام الوالدة .. مثلك يرفع الرأس . عقبال ما نفرح بك الفرحة الكبيرة ..!

أدركت عائشة ، أنها بعبارتها الأخيرة ، كانت تلمح للزواج . انتفض قلبها ، مثل عصفور بللته غمامة . هل خالتها تريد أن توصل لها رسالة من شهاب الإسلام ؟

هل الشائعات التي تقول أنه لا يفكر فيها ، وأنه يبحث عن زوجة .. ليست صحيحة ، وأن خالتها أرادت بجملتها هذه ، أن تدحض هذه الشائعة ..؟


يتبع ...

التوقيع:
ابن المملكة غير متصل   رد مع اقتباس
قديم 09 - 05 - 2008, 04:38 AM   #25 (permalink)
غلاتي ماسي
 
الصورة الرمزية MR_LONLY
 



افتراضي

مشكور ابن المملكة على هذه القصة

بس مشتاقين التكملة

الله يعطيك العافية

وتقبل مروري حتى توصل التكملة

التوقيع:
MR_LONLY غير متصل   رد مع اقتباس
قديم 10 - 05 - 2008, 12:29 AM   #26 (permalink)
المراقب العام
 
الصورة الرمزية ابن المملكة
 



افتراضي

وجع الأيام السابقة ، أحست به ينسل من قلبها ، مثل شوكة تنزع من أخمص قدم . كمية هائلة من الهواء زفرتها .. فاتسع صدرها ، كأن ثقلاً أزيح عنه .. أو كأنها لم تتنفس منذ أيام .

تَعجْب من حالات القلب : كيف تغدو به وتروح ، كلمات ومواقف . كيف يتعلق بــ ( غائب ) ، يهيم النهار كـــله ساهياً ..

لا يدري عنه ، وفي الليل يحضن وسادة .. ربما ، وينام ملء عينيه .. ساكناً ، لا يتحرك منه ، إلا بضع قطرات من ريقه ، تتهادى على وسادة من ريش .

وهو .. القلب ، يضطرب داخل أضلاع ، تضيق وتحكم الحصار عليه .. مثل قضبان زنزانة ، ويضطرم مثل مرجل ، من شوق يشتعل في سويدائه ..

لا يطفئه إلا ريق ، تراق قطراته عبثاً ، وضمّةٌ .. كان هو أولى بها من الوسادة ..!

أختها أروى ، التي استمعت لتعقيب خالتهما هيا .. هي الوحيدة ، التي التقطت المشاعر ، التي أورقـــــت في وجهها .. فانــــفرجت أساريره ، مثل ورد ناعس ، نبّهَه الربيع .. فأفاق وتفتح .

أروى أختها وصديقتها الخــــاصة أيضاً . في لحظة صدق وألم ، حـدثتها بحقيقة شعورها ، تجاه شهاب الإسلام .

لم تستطع أن تحتمل السر لوحدها ، وعجز قلبها ، الذي تهتك من الهم القلق ، أن يكون وحده وعاءً .. لوجع بهذا الحجم .

أروى لا تتفق معها في شعورها .. وترى أنها متعلقة بوهم . قالت لها مرّة : " حب من طرف واحد " ، فمرضت بسبب ذلك لأيام . تحاشت بعدها أن تقول لها رأيها بصراحة .

أصرت أختها وقريباتها ، أن تلبس لحفل التخرج ، اللباس الذي اخترنه لها ، لهذه المناسبة . حين ترددت ، قالت خالتها نوره تشاكسها .. وهي عزيزة عليها ، أكثر من غيرها ، من بين خالاتها وعماتها :

- لا خيار لك .. إذا شئت أن نرافقك للحفل ، ونفرح معك .

- لكني سأبدو فيه وكأني عارضة أزياء ، ولست طبيبة .. ماركة مشهورة جداً وغالية ، وآخر موضة .

ابنة عمها جمانة ، وهي من صديقاتها المقربات .. أطلقت واحـــداً من تعليقاتها الساخرة :

- لا بأس يا عائشة .. هذه المرّة ، لا نريد أن نراك تبدين ، وكأنك تشي غيفارا ..

ضحكت .. وقالت :

- شفتوا يا بنات .. جمانة أرحم . فيه ناس في الكلية يسمونني " الملا عمر " ..!

ذهبت عائشة إلى حفل التخرج ، برفقة والدتها وأختها وقريباتها . كانت محل حفاوة الجميع . صفق الحضور طويلاً ، حين أعلن عن اسمها ضمن المكرّمات ، والحائزات على جوائز تقدير .

والدتها التي كانت تصلها إشاعات ، أن ابنتها صاحبة مشاكل ، وعلى خلاف مع الجميع ، لم تجف دمعتها ، وهي ترى حجم الحفاوة الذي نالته .

بين دقيقة وأخرى ، يأتي من يسلم على عائشة ، ويبارك لها ، ويغدق عليها عبارات الثناء . ترد هي بالشكر والامتنان ، ثم تشير إلى والدتها :

- هذه أمي .. الفضل لها ..

فتغرق الأم في بحر من الدموع .

كانا أسبوعا احتفال ، ازدحما بكل مظاهر الاحتفاء . حفلات عشاء ، وهدايا ، وباقات ورد .. وتبريكات . اتصالات هاتفية ، ورسائل جـــــوّال ، وفاكسات .

وقت سمته : كرنفال حب . عادت بعد هذا ( الكرنفال ) لتغرق في دوامة العمل . اعتادت أن تضع هاتفها الجوّال على وضع الصامت ، حينما تدخل العيادة .

حين توقفت عند صلاة الظهر عن استقبال المرضى ، نظــرت إلى الجوّال لترى ما قد يكون وصلها من رسائل ، أو فاتها من اتصالات .

لاحظت أن هناك أكثر من 10 اتصالات فــــائتة . حين استعرضتها ، انتابها قلق . سبع من هذه الاتصالات جاءت من والدتها .

بادرت بالاتصال ، وهي تـــظن أن أمراً سيئاً أصاب أهلها . دق جوّال أمها حتى انقطع الرنين .. فازداد قلقها . أعادت الاتصال ، فجاء صوت أمها عجلاً :

- هلا عيوّش .. أقلقتك يا عمري ..!

- سلامات يا أمي ، عسى ما شر ..؟

- أشغلتني أم نايف اللاوي ، من صباح رب العالمين وهي تتصل . تقول إن زوجة ولدها في المستشفى تنتظر الولادة ..

تواجه مشكلة في تنويمها ، وزوجها مُصِّر على أن تُوَلّدها دكتورة ، واتصلت بي ، تبغى فزعتك ..!

- فهد اللاوي ..! ما تذكرين يا أمي أعمال فهد اللاوي ..؟ أنا مجروحة منه .. والله ..

- خليك أكبر منه يا عائشة ، ولو من أجل أمّه ..!

فهد اللاوي شخص سليط ، وهو أحد أقرباء عائشة من جهة والدتها . يتبنى موقفاً مت&#