يحل العيد في كل سنة هجرية ضيفا على بيوت المسلمين في أصقاع العالم جاعلا من توقيت زيارته توقيتا ثابتا في نفس الزمان عقب شهر فضيل متقدما يوما أو متأخرا يوما يغدو في كل زيارة شابا يافعا لا تغيره السنون مرتديا في ظاهره أفخم الثياب المطرزة بابتسامات الاطفال البريئة ومتزينا بأثمن المجوهرات المزدانة بالتبريكات والتهاني ولكنه مع ذلك يرتدي أقنعة عدة ويحمل وجوها كثيرة تختلف من شخص لآخر، فالأقنعة تنحت والأوجه ترسم بناء على ظرف كل انسان وظرف عمله وحلمه وأمله. فها هو المسافر المغترب يغدو بلا قناعا يبحث في الوجوه في تلك البلدة الغريبة عن وجه يشبه وجه والدته أو والده، ويستشعر عبر أسلاك الهاتف الباردة حرارة الدفء الأسري ويسرع الخطى الى مسجد الجالية الاسلامية يشاطر مع بقية المغتربين الحنين الى الوطن فكم يشتاق لدفء أكف الوالدة وخشونة ملمس يد الوالد وضحكة الأخ وبسمة الأخت.
أما من فقد عزيزا فهو يرتدي قناعا محفورا عليه أخاديد الدمع وحرارة الاشتياق، يرفع أكف الدعاء لله ان يرحم فقيده ويدخله فسيح جناته وذلك السجين الذي يمد النظر من خلف قضبان السجن الحديدية يسرح بخياله بعيدا حالما بلقاء أسرته التي تقطن معه في نفس المدينة ولا يقوى على احتضانها عاضا على أصابع الندم وكله أمل ان تدنو الساعات وتقصر حتى يعلن السجان حلول العيد معلنا موعد الزيارة زيارة أحبائه.
أما ذلك المحروم من نعمة المال فهو يرتدي قناعا الرضا ويحمد الله الرازق على ذلك الخير الجم من افطار للصائم وكسوة وزكاة عيد مرددا في نفسه (الا ليت السنة كلها رمضان) فتلك النفس الكريمة الباذلة للخير موجودة في طيلة العام ولكنها تزخر في شهر رمضان المبارك.
وذلك المريض الراقد على احدى الأسرة البيضاء من خلف المحاليل الوريدية وبجانب الأدوية يرتدي قناعا معتصرا بآهات الألم ومثقلا بكاهل المرض تشق البسمة طريقها باستحياء الى معالمه حينما يلتف الأحبة حول سريره الأبيض مهنئين بالعيد ويدعو الله ألا يكون على فراش المرض العام القادم.
أما ذلك الملتزم المرتدي لباس التقوى فهو يسكب الدمع مودعا شهر الخيرات داعيا المولى عز وجل ان يتقبل منه ومن سائر المسلمين والمسلمات الصيام والقيام وقراءة القرآن وينتظر الجائزة في أول أيام العيد من الرحمن الرحيم فالق الحب والنوى.
أما العاصي فهو يختفي في قناع السفور، فيقصد السفر قاصدا ومتعمدا الترفيه المحرم. وأما تلك الفتاة العزباء فترتدي قناعا حالما تحلم ان تكون بداخل صورة محاطة بإطار العائلة بجانب زوجها يظلها ومن حولها اطفال يشدون أطراف ثوبها.
وهؤلاء الأزواج الذين حرموا من نعمة الانجاب يدعون الله ان يكونوا العام المقبل في متاجر لعب وهدايا الاطفال يحتفلون مع طفلهم بالعيد. وما زالت تلك الأقنعة تتعدد فذلك التاجر يرى من وراء قناعه الكسب المادي، فتلك المطاعم والأسواق وملاهي الاطفال تستنفد طاقتها للترفيه عن أبناء الوطن مستنفدة في الوقت نفسه جيوبهم ومحافظ نقودهم، فلا ضير ان قناع ذلك الموظف البسيط يتجهم ويفكر مرارا وتكرارا كيف يدبر ويقضي مصروف العيد ومستلزماته وما بعد العيد من ضروريات لحين حلول موعد رزقه الوحيد راتبه الشهري. وهناك من يرتدي قناع السهر على راحة المواطنين وخدمتهم من مسؤولين وضباط وعسكريين وحراس أمن وأطباء وممرضين ومسعفين وغيرهم الكثير ممن يكابدون لأداء الواجب في أيام وليالي العيد، حرصا على خدمة شعب كريم أكرمه الله بأكرم الملوك كرما وإكراما.
فمهما اختلفت الأقنعة وتعددت الأوجه ما ان يشرق فجر العيد حتى تجتمع الألسنة على ذكر الحق وتغتسل الأفئدة برطب الذكر مرددة: الله أكبر كبيرا والحمد لله كثيرا وسبحان الله بكرة وأصيلا، وتزهر كلمة (كل عام وأنتم بخير) على قلب كل مسلم ومسلمة مهنئة ومباركة للعيد وعساكم من عواده.