منتديات غلاتي  

العودة   منتديات غلاتي > الاقسام الثقافية والأدبية > يُحكى أن > قصص متنوعة


 
 عدد الضغطات  : 743  
 عدد الضغطات  : 224  
 عدد الضغطات  : 364  
 عدد الضغطات  : 142

موضوع مغلق
 
LinkBack أدوات الموضوع انواع عرض الموضوع
قديم 27 - 01 - 2008, 06:56 AM   #1 (permalink)
غلاتي الذهبي
 



افتراضي شبــح الليـــل

"شبــح الليـــل"



أنجبتهُ في ليلةٍ مظلمة ممطرة ، شرارة البرق والرعد تنصف السماء في لفحةٍ قاتلة من غضب الليل كما لو كانت نهاية الدنيا، هتافات الصغار تدلو بفرحة الموسم بأغنياتٍ شتى سرعان ما تتقلص في صمت عاجز عن التغريد ، تتوالى خطواتهم متجهين نحو أدراجهم ليختبئوا تحت مظلاتهم الآمنة ، فيعم هدوء غير معتاد يتخلل هطول المطر ، آيات وأدعية تتلى تخفف من حدة مشاعر الهلع، لا أحد يستطيع تحدي هذه الليلة المخيفة إلا من أراد الانتحار!!، فجذور الأرض تُقتلع من باطنها لتبلعها عاصفة ممتزجة بزخات المطر المرعبة في دوامة الموت ..

بكاؤه صم أذاننا عن ضجيج السماء خارجاً ، كانت صيحاته تعلو في أرجاء المنزل مزلزلةً أعمدته ، مشاطراً أسرته الخوف الذي يكسوهم في تلك الليلة ، لم يهدأ إلا حين خمدت الرياح والأمطار وكأنه يعلن انتصاره في خوض معركة الصراع بينه وبين ذلك الليل..

دار بيني وبين والده نزاع ثار حول تسميته، يكف عني و يهدأ ، ثم يعود تارة أخرى ويقرر أسماً آخراً ، مستطرداً :
- فلنسميه " مطراً " .. نعم سنسميه هكذا ..

تلك الليلة لم تكن لحظة من الماضي انطوت في ذاكرة النسيان، بل كانت ذكرى ولادة توأم أبني " مطر " التي تصاحبه في كل مكان وزمان، فيوم ولادته هو (يوم الموت) الذي شاهدناه بعيون متحجرة..

كبر أبني وكبرت معه تلك الحادثة، فتأثر بها، وتعقد من ( أسمه )، الجميع من حوله كانوا ينعتونه بكلمات تصور في ذهنه لحظات مريرة كحكايات (طفل الموت أو شبح الظلام) التي تلاحق جسده النحيل في غزوة تخترق قلبه الضعيف من الخوف والرهبة.

بث الأفكار الواسعة والخيالات المرعبة من السهل اختزالها في فكره الصغير، فهي السبب الذي جعل منه طفلا انطوائيا يكبح مشاعره في قلبه بلا رفيق يشاركه معاناته، يزداد خوفا وهلعا بشكل هستيري عندما يسمع تصفيق المطر يتغنى بنشوة قدوم فصل الشتاء، فيتجه مهرولا نحو حُجره الدافئ ولا يبرح من مكانه أبداً متصلبا من أي حركة تصدر منه إلا من حركة بؤبؤي عينية التي تستدير ناحية النافذة كلما أضاءت بوهج البرق لتعكس ظلال الستارة على الأرضية الخشبية ..

صرخة مدوية تنبعث من غرفة أبني "مطر" لتخترق قلبي، تجبرني على حمل ساقاي تجاهه، يبدو أنه كابوس كعادته، هرولت لضمه في أحضاني، أربت على ظهره ليكفكف دموعه المنهارة، هامسة في أذنه:
- أخبرني .. ماذا رأيت في المنام هذه الليلة؟

أجابني بصوت شاحب متلعثم:
- إنه شبح الليل آتٍ ليقبض روحي ..

تسمرت عيناه ناحية النافذة وكأنه يترقب ظهور شبح الليل يطل من جديد ليؤكد لي بأنه يقول الحقيقة، لقد خابت كل ظنونه هذه المرة فشبح الليل قد رأف بحاله ورحل بطياته إلى عالم جديد دون أن يودعه ببكاء آخر .. فأردفتُ:
- شبح الليل جبان .. هل رأيت ذلك؟ ..إنه خائف منك..

ابتسم قلبه المتعب وانتزع خوفه المحتبس بين أضلعه وانطلق يقفز على سريره بضحكات تثلج صدر الأمومة، مهمهماً: لقد هزمته .. لقد هزمته .. أنا شجاع .. أنا شجاع ..

أرمق في عينيه جنة الحياة تزهو، وفكره المشوش بألوان الراحة والطمأنينة، متلذذا بانتصاره على حياته المرعبة بالرغم من بقايا فتات الخوف الذي يسيطر علية خفية بين الفينة والأخرى، تلك المشاعر التي تتربع على فؤاده وليدة من لحظة مؤقتة طالما كان معي في أمان سرعان ما تنقلب تدريجيا حيث يكون بمفرده!

نامت عيناه لتبدأ معه رحلة المواجع التي لا تنتهي، مازلتُ عند وعدي له أن أبقى بجانبه "رفيقة الليل" أرقب وجهة البرئ، متأملة ملامحه الطفولية..

عدت أدراجي بعد بزوغ الشمس التي تطل خجلة بين ركام السحاب، حاملة على كاهلي مستقبل أبني " مطر "، استقبلت والده بنظرات من الألم والعذاب، وهمهمت:
- يقلقني أبنك كثيرا .. فتلك المخاوف مازالت تلاحقه ليومنا هذا..

أجابني بلا مبالاة:
- لا عليكِ .. تلك مجرد " خرافات الطفولة " لا غير ذلك ..

أجبته:
- ولكن هذه المخاوف سوف تؤثر في بناء شخصيته..

مازال والده لا يهتم بمشكلة أبنه وحساسيتها في هذا العمر رغم كل محاولاتي للفت تفكيره بأهمية الموضوع، تاركا لي جل المسؤولية لتحمل أعباء هذا الطفل الصغير دون رحمة منه ..

تفاقمت خيالاته رويداً رويداً ويدي لا حيلة لها لانتزاع خوفه المكبوت، لم يكن لدي حل آخر سوى معاملته بمستوى عقله الصغير عله يدرك حقيقة تلك الخيالات بأنها (مجرد أوهام) تفتت أعصابه إلى أشلاء ...

اتجهت إليه بكل عطف وحنان وبذهني فكرة ربما تجتاح ذهنه وتروق له، ليقوم بأدائها ومساعدة نفسه في حل المشكلة، ناظرته في عينيه البريئتين، وقلت:

- بحوزتي مفاجأة كبيرة .. إذا عملت ما آمرك به .. سوف أريك إياها ..

أجابني بكل فضول لمعرفة المزيد وهو يبحث حولي محاولا إيجاد المفاجأة:
- أين هي ماما .. أين تخبئينها؟

أجبت:
- لا تتسرع يا بني .. كلما كانت نتيجة أدائك ممتازة .. كلما كانت جائزتك أكبر ..

ألمح في وجهة علامات الفرحة والغبطة ، قائلا:
- ولكن ما الذي سوف أفعله يا ماما ؟

أخذته في أحضاني ململة مشاعري المبعثرة من الحزن والقلق، وقلت له:
- سأشتري لك ألوانا كثيرة يا صغيري .. ودفتر رسم كبير مثل الذي تحلم به .. وكل الذي تريده وتتمناه.. أريد منك فقط أن ترسم تضاد كل ما تراه في المنام .. والأشياء التي تتخيلها يوميا .. اتفقنا ..

أشاح بوجهه ناحيتي باعثا من عينيه رسالة تخبرني بأنه لم يفهم مغزى كل الذي أطلبه منه، ظل يرمقني في صمت ولم ينبس ببنت شفة، ثم أطرق برأسه ليطلق دموعه المحرقة للعنان في خجل من أمره، وقال:

- ماما .. أبي ينعتني بالجنون .. فهل أنتِ أيضا ترينني مجنونا؟

أمسكت بذراعيه بقوة لأصلب جسمه النحيل ليستقبل كلماتي الأخرى، ورفعت رأسه عاليا ليناظرني، أجبته بصرامة:
- أنت لست مجنونا يا عزيزي.. ولذلك أريدك أن تثبت لنفسك وللآخرين بأنك عكس هذا كله .. يجب عليك أن تفعل كل ما آمرك به ..

استجاب لرغبتي سريعا، وأخذ بريشته يرسم ويرسم، في كل ليلة تمر عليه وتأتيه كوابيس الليل لتفزعه كعادته، نظرت إلى كل لوحة من اللوحات التي رسمها واستغرقت تأملا فيها لأبعد الحدود، فجميع اللوحات كانت زاهية وبأبهى حلة إلا لوحة واحدة وهي الأخيرة فكانت داكنة وغامضة .. سألته باستغراب:

- لماذا هذه اللوحة مختلفة يا " مطر " ؟

فرد مبتسما:
- ألم تقولي لي بأن أرسم عكس ما أراه في المنام وأتخيله !!...

أجبته مطأطئة برأسي مؤيدة لما يقوله، مستطردة:
- ولكن هذه اللوحة ماذا تعني؟

أجابني مسرورا:
- رسمت عكس ما رأيته في منامي البارحة .. حلمت بأنني أطير في سماء زرقاء صافية.. وحولي طيور جميلة تغني وتصفق بأجنحتها من أجلي.. رأيت أشجاراً خضراء كثيرةً ووروداً ملونة.. ثم طرنا عاليا ..عاليا ..

ثم قفز على سريره ضاحكاً ، وأكمل:
- أنظري ماما .. هكذا طرنا عاليا .. عاليا ...عاليا ....................

وطرت أنا الأخرى معه عاليا بمزيد من الضحكات التي تنعش صدره المذبوح من الخوف والألم والعذاب لترميه عند ضفاف بحر الأمل والتفاؤل.


"وتستمر الحكاية التي نهايتها البداية لمشوار " أبني مطر " ليرى بصيص نور الحياة ينبعث من حلمه الأخير مترقبا مستقبلا مشرقا خاليا من الشوائب التي تعكر صفو حياته "



م ن ق و ل

نور الزهراء غير متصل  
قديم 27 - 01 - 2008, 10:27 PM   #2 (permalink)
المراقب العام
 
الصورة الرمزية ابن المملكة
 



افتراضي

سلمت يداك أختي نور الزهراء على ما قدمتيه لنا

وهذه رائعة من روائعك أحسنت فيه الإختيار

أختي اتمنى ان لا تنقطع مشاركاتك في هذا القسم

وتقبلي شكري وامتناني

ابن المملكة ،،،

التوقيع:
ابن المملكة غير متصل  
قديم 28 - 01 - 2008, 06:24 AM   #3 (permalink)
غلاتي الذهبي
 



افتراضي

عزيزي ابن المملكة ,,,,

حضورك الدائم ..
بات لي كالليل حين ينتظر ضوء القمر ..
وأنت قمر حروفي التي لا تنار الا بوجودك..

دمت بخير..

نور الزهراء غير متصل  
قديم 29 - 01 - 2008, 10:12 PM   #4 (permalink)
مشرفة القسم العام
 
الصورة الرمزية كلي أنوثة
 

مزاجي:


افتراضي

نور الزهراء
الله يعطيك الف عاافيه على القصه الرائعه
وجزاك الله الف خير
دبدوبه حلوه

التوقيع:
: سامح من أساء إليكـ ..
ولا تعتقد أنكـ تبدو بذلكـ ضعيفاً .. فالصفح يحتاج إلى قوة أكبر من الإنتقام :
كلي أنوثة غير متصل  
قديم 02 - 02 - 2008, 06:29 AM   #5 (permalink)
غلاتي الذهبي
 



افتراضي

دبدوبه حلوه

رائع والأروع

هو حس تواجدك هنا

دمت بخير ..

نور الزهراء غير متصل  
قديم 05 - 02 - 2008, 11:19 AM   #6 (permalink)
غلاتي ماسي
 
الصورة الرمزية الأمـبـراطـور
 

مزاجي:


افتراضي

يسلموا ع القصه الحلوه


يسلموا

الأمـبـراطـور غير متصل  
قديم 09 - 02 - 2008, 07:06 AM   #7 (permalink)
غلاتي الذهبي
 



افتراضي

" الأمـبـراطـور "

شكـرا لك عزيزي ..
عـالطلة الحلوه ..
منور الصفحة ..

نور الزهراء غير متصل  
موضوع مغلق

مواقع النشر (المفضلة)


الذين يشاهدون محتوى الموضوع الآن : 1 ( الأعضاء 0 والزوار 1)
 
أدوات الموضوع
انواع عرض الموضوع

تعليمات المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا تستطيع إرفاق ملفات
لا تستطيع تعديل مشاركاتك

BB code is متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة
Trackbacks are متاحة
Pingbacks are متاحة
Refbacks are متاحة


الساعة الآن 04:46 AM.


Powered by vBulletin® Version 3.7.2, Copyright ©2000 - 2008, Jelsoft Enterprises Ltd.
SEO by vBSEO 3.2.0 TranZ By Almuhajir
لا تمثل المواضيع او المشاركات او الملفات المطروحة بمنتديات غلاتي رأي الموقع او ادارته بل تمثل وجهة نظر كاتبها