الأسرة سبب رئيسي للانحراف
وأوضحت الاستشارية النفسية الدكتورة عائشة الشهري أن الأسرة سبب رئيسي لانحراف فتياتها، ويشكل تأثير الأسباب الأخرى 10 %، مشيرة إلى آخر دراسة أجريت عام 1424 هـ، حيث أوضحت تحاليل البيانات الرسمية الخاصة بالجرائم النسائية خلال 1400هـ وحتى 1416 هـ ازديادها من 418 حالة إلى 1400 حالة، وفي عام 1415 هـ وصل عدد الحالات إلى 1800 حالة، مؤكدة مضاعفتها إلى 5 مرات. وأوضحت أنه في السابق كان هناك نوع من التكتم، أما الآن فأصبح التطرق لهذا الموضوع علنيا، كما أن درجة الوعي لدى الناس زادت، و لكن الباحثين في مجال القضايا الاجتماعية والأسرية والجرائم النسائية قلة على المستوى الإحصائي. وأكدت الشهري أن الأسرة مسؤولة عن هروب بناتها، فالإهمال من أسرة غير حازمة عند ارتكاب الأخطاء، والتساهل مع الأبناء قد يكونان سببا في هروب الفتيات، وتضرب مثلا بإحدى الفتيات التي راجعتها في العيادة، تقول "راجعتني ذات مرة فتاة عمرها 14 عاما، أسرتها وفرت لها كل سبل الراحة والرفاهية، ومع ذلك تركت البيت لتذهب مع أحد الشباب، وتبقى معه 4 أيام، ووالداها على علم بذلك، وكانت تعود للبيت بدون أي محاسبة أو عقاب، وتختلق الأسرة لها الأعذار، مع علمهم بممارساتها الخارجة مع هذا الشاب، وقد أخبرتهم أنها تريد الزواج به، ولكن الشاب كان غير جاد، وراح يلهو بها، ولم يتقدم لخطبتها، مع العلم أن الأسرة على مستوى اجتماعي وعلمي عال، وللأسف لم تتحرك الأسرة لتنقذ ابنتها، إلا بعد أن ضغط عليهم الأهل والأقارب، فأحضروها لي في العيادة، واعتقدوا أنها تعاني مرضا نفسيا، ولم يعوا أن الفتاة مراهقة، ولديها رغبة قوية في الحب، وأسرتها متساهلة جدا معها، وقد بدأ علاجي لها بتطبيق برنامج سلوكي معها ومع الأسرة، بدأت بعده تنضبط نوعا ما، وتحسنت ". الظلم والقسوة والحرمان
وأضافت "الظلم والقسوة والحرمان تجعل من الحياة صعبة على الفتيات المراهقات، فهناك شقيقتان واحدة في الرابعة عشرة، والأخرى عمرها 12 عاما أباهما مدمن طلق والدتهما، وحرمهما رؤيتها، وأخذ يعذبهما، لدرجة أنه كان يطفئ السجائر في جسديهما، وكانت زوجته تشارك في تعذيبهما، فلم تحتملا الوضع، ولجأتا للجيران، فتعاطفوا معهما، وساعدوهما، وبلغوا الجهات المختصة التي قامت بضمهما لوالدتهما تحت حماية المركز". وأوصت الشهري بضرورة استحداث منهج التربية الجنسية في المدارس، لحماية الأبناء من التحرشات الجنسية، والعلاقات الجنسية المحرمة، وترى أن هذا عامل كبير لمنع استغلال الأبناء، وخاصة الفتيات من قبل البعض. سلبية الأمهات
وأوضحت مديرة إدارة الخدمة الاجتماعية بمدينة الملك عبد العزيز الطبية بالحرس الوطني سميحة الحيدر أن للفتيات الهاربات سمات عامة، تتمثل في عدم تناغم أسرهن اجتماعيا، بحيث لا تجد الفتاة من تلجأ إليه، وغالبا ما تكون الفتيات من الطبقة الفقيرة، مضيفة أنها تلاحظ من خلال واقع الحالات أن الأمهات يتصفن بالسلبية في تعاملهن مع بناتهن قبل وبعد حدوث المشكلة، حيث تكون أدوارهن هامشية.
وقالت الحيدر إن الأم تهدد ابنتها بأبيها، ليكون الأب مصدر رعب للابنة، وعندما تتحدث الابنة مع أمها عن أي مشكلة، تخاف الأم من تحمل المسؤولية، لعدم وجود من يحميها من غضب الأب، فتتنحى عن المشكلة، وتترك ابنتها أمام والدها ليتصرف معها كيفما شاء.
وانتقدت هذا الأسلوب في التعامل، في الوقت الذي يفترض فيه أن يكون دور الأب مكملا لدور الأم، موضحة أن الفتاة عندما تعرف ما سيؤول إليه حالها مسبقا، فإنها تخاف المواجهة، ولا تجد من تلجأ له، وتضطر للهرب بحثا عما تفتقده، مؤكدة أن غالبية شريحة الهاربات من المراهقات، وأكثرهن يعانين من مشكلة في البيت، ولا يردن العودة إليه.
ودعت الحيدر الوالدين إلى تخصيص وقت محدد في اليوم للاجتماع الأسري، ومناقشة مشاكل الأبناء، وتعميم أجواء التفاهم والتواصل في الأسرة، لحماية المجتمع من هذا النوع من المشاكل، موضحة أن نوعية المعالجة تختلف من أسرة إلى أخرى، حيث تتحدد بحسب مفاهيم كل أسرة ومستواها الثقافي والاجتماعي. مؤسسات لحماية الهاربات
فيما دعا الأكاديمي الاجتماعي بجامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية والباحث في شؤون الفتيات الدكتور ناصر العود إلى إيجاد مؤسسات أهلية أو خيرية لحماية وإيواء الهاربات، مشيرا إلى أن المؤسسات الرسمية لا يمكن أن تقوم بدورها في الجانب الاجتماعي بحماية الهاربات على الوجه الأكمل، مستشهدا بالمنظمات الرسمية في الدول الغربية - فضلا عن النامية- التي لم تقم بجهد كبير في رعاية الجانب الاجتماعي، موضحا أن سبب نجاح المؤسسات الأهلية أو الخيرية في المجال الاجتماعي يرجع إلى الرغبة الحقيقية لدى العاملين فيها بالعمل وتكريس أنفسهم للفئات المحتاجة، وهذا ما حدث في جمعيات خيرية كجمعيتي مكافحة المخدرات والسرطان السعوديتين وأسهم في نجاحهما، واقترح إيجاد بيوت مؤهلة باختصاصيين واختصاصيات مؤهلين متعاونين ومتطوعين لرعاية الهاربات، وحذر من العدد اللافت لحالات هروب الفتيات مشيرا إلى أنها لم تصل حتى الآن إلى حد الظاهرة، إلا أن بوادر الظاهرة موجودة فيها. وأكد الدكتور العود تعدد دوافع الهروب، فمن الفتيات من تهرب لتنجو بشرفها، وثانية تهرب للبحث عن المتعة، وأخرى تهرب من مشاكلها، مشددا على تقديم الجانب الوقائي على الجانب العلاجي لهذه المشكلة، حيث تتم وقاية النشء بتربيتهم من الصغر على الفضيلة. وحدد الدكتور العود السمات النفسية الشخصية للهاربات، والمتمثلة في العزلة الدائمة للفتاة عن أهلها قبل هروبها، وشعورها بالاحتقار داخل أسرتها، كما تزداد رغبة الفتاة في الخروج من بيت أسرتها مع صديقاتها، وفي ذلك خطورة على نفسها والآخرين، بعكس الفتاة المندمجة مع أسرتها، داعيا الوالدين للانتباه لحالة الابنة النفسية وتواصلها مع الآخرين، داعيا المختصين إلى إجراء دراسات وأبحاث تفصل هذه الظاهرة وأسبابها وأعراضها وطرق مواجهتها، كما طالب بتعزيز الخطوط الهاتفية الإرشادية طوال الـ 24 ساعة، لتطرح الفتيات مشاكلهن الاجتماعية في أي وقت، وفي جو آمن، يقضي على الخجل من نقل المشكلات خارج البيت بدون تدخل الأهل. وأوضح الدكتور العود أن لهروب الفتيات إرهاصات تقف خلفه، وتتعلق بعدد من الجوانب منها الجانب الثقافي متمثلا في التغير الذي مر فيه مجتمعنا والتطور الإعلامي، وما تبعه من دخول كم هائل من القنوات الفضائية التي جلبت ثقافات غريبة عن مجتمعنا، ونوقشت فيها مفاهيم مغلوطة كالصداقة، والحب قبل الزواج، والعلاقة بين المرأة والرجل، واستثارة عواطف الفتيات من خلال ذلك، مما يعطي محفزا للهروب، إن لم يتنبه أحد، إضافة إلى الجانب البيئي من حيث اضمحلال دور الأسرة ودور المدرسة والجيران والأقرباء، منتقدا عدم دعم الأب والأم الموظفة لأبنائهما وبناتهما عاطفيا، وإهمالهما لتكوين الأبناء النفسي. |